المنجي بوسنينة
129
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
أكثرهم من التجار وأقلّهم من المزارعين ، وبين هؤلاء وأولئك فئة لا يستهان بها من رجال العلم من أطبّاء وأدباء وفلاسفة . ولد ابن جبيرول بمالقة وعاش وتعلّم في سرقسطة ، وقضّى ردحا من الزمان . نقل ابن عزرا ، أنّ أسرته قرطبيّة غادرت هذه المدينة مع من غادرها من اليهود أيّام الفتنة الكبرى ما بعد 1013 م . وشعر ابن جبيرول هو المصدر الأساس لما عرف من قليل عن حياته ، فمنه عرف أنه فقد أباه وهو بعد صغير السنّ ، ومنه عرف أنه كان قميء الخلقة ، وأنّه أصيب بمرض جلدي عانى منه ، فاعتزل الناس وأصيب بالأرق ، وزاده حدّة في الطبع ، ممّا جعل ابن عزرا يقول فيه : « ولقد كان لنفسه الغضبية على عقله سلطان لا يملك ، وشيطان لا يمسك ، هوّن عليه سبّ العظماء ، فأوسعهم سبّا وأقرعهم ذمّا . . . » [ المحاضرة والمذاكرة ، ص 70 ] . لم يعرف لابن جبيرول أساتيذ أو شيوخ . ومن الأكيد أنّ شيوخه كانوا أحبار اليهود وعلماء المسلمين بسرقسطة ، لأنّ ضلوعه في علوم التوراة وبعد باعه في فنّ القول العبري ، واطّلاعه على دقيق اللغة العبريّة ، كلّها دلائل تدلّ على أنّه نهل معارفه اليهودية من معين مشايخ أعلام . كما أنّ ثقافته العربيّة المتينة ، وخصوصا معرفته العميقة بالفكر الفلسفي ، والأفلاطوني منه بوجه ، تدلّ على أنّه تتلمذ على أعلام مسلمين ، منهم العارف بالعلوم التقليديّة والذي اشتغل بالفلسفة وعلوم الأوائل . بدأ الكتابة وهو في السادسة عشرة من عمره ولم تتح له حياته القصيرة الوصول إلى سمعة واسعة بين علماء عصره . قال عنه ابن زهر الطبيب المشهور : « ابن جبيرول غفر الله له رغم انه أصغر الشعراء سنّا فقد تفوّق عليهم جميعا ليس بالشعر فحسب بل بالآداب الأخرى » . مدح ابن جبيرول مشاهير اليهود أيّامه ، مثل يقوتيئل بن حسن الذي خدم بني تجيب ، وشموئل النكيد الذي وزر لآل حبوس ، وحي بن شريرا كؤون وغيرهم . وكانت له صلات مع كبار متأدّبة اليهود ، مثل إسحق بن خلفون ، وإسحق قبرون . برع أبو سليمان في فنّ القول ، وكان موصوفا بالفصاحة ، والجودة ، والبلاغة ، والتمكّن من ناصية الشعر . وعدّ أوّل من فتح باب البديع للشعراء من اليهود . نظم في فنون الشعر مدحا ، وهجاء ، وفخرا ، وغزلا ، وتزهدا ، واعتذارا . وكان إضافة إلى ذلك متحقّقا في الشعرية الموسويّة « مطبوعا على سننها » ، له نظر في التوراة واللغة العبرية . واشتهر في وقته عند اليهود بعلم الأوائل ، حتّى أنّ يهود سرقسطة أخذوا عليه ذلك . واشتهر عند المسلمين ، أو على الأقلّ عند من اهتمّ منهم بهذه العلوم ، باشتغاله بعلم المنطق ، فصاعد الأندلسي يقول فيه : « . . . كان مولعا بصناعة المنطق ، لطيف الذهن حسن النظر . . . » [ الطبقات ، ص 205 ] . ثمّ اشتهر عند اللاتين فيما بعد بمذهبه الأفلاطوني الذي عكسه كتابه ينبوع الحياة . فابن جبيرول إذن كان معروفا لدى أصحاب التراجم العرب بصناعته المنطقيّة ، ولدى متأدّبة اليهود بعلوّ شأنه في بديع الكلام وطبعه العلمي والفلسفي ، فهو شاعر جمع بين